الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

444

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

وفي الجانب المقابل نرى أن رجال الحق وأتباع الأنبياء والرسل لا يتغيرون إذا أقبلت عليهم النعم ، ولا يهنون أو ييأسون أو يجزعون عند إدبارها ، إنهم مصداق قوله تعالى : رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله فأربح التجارة لا تنسيهم ربهم ، إنهم عارفون حق المعرفة بفلسفة النعمة والبلاء في هذه الدنيا ، يعلمون أن الابتلاءات ناقوس خطر لهم ، بينما النعم اختبار وامتحان إلهي لهم . ومن الابتلاء ما يكون أحيانا عقوبة للغفلة والنسيان ، والنعم لإثارة دوافع الشكر لدى العباد . ويلفت النظر هنا طرافة الاستخدام القرآني لكلمتي " أذقنا " و " مسه " والتي تعني أنهم مع قليل جدا من إقبال الدنيا عليهم يتغيرون وينسون ويصابون بالغرور ، وهؤلاء مع " مسة " قليلة من ضرر أو بلاء يصابون باليأس والقنوط . من هنا نقف على قيمة سعة الروح ، وتدفق النفس بالإيمان ، واتساع آفاق الفكر ، وانشراح الصدر ، واستعداد الإنسان لمواجهة المشاكل والصعاب ، وتحدي المزالق والأهواء ، التي تعتبر جميعا من ثمار الإيمان والتقى . يقول شهيد المحراب الإمام أمير المؤمنين علي ( عليه السلام ) في أحد أدعيته التي تعتبر درسا لأصحابه : " نسأل الله سبحانه أن يجعلنا وإياكم ممن لا تبطره نعمة ، ولا تقصر به عن طاعة ربه غاية ، ولا تحل به بعد الموت ندامة وكآبة " ( 1 ) . الآية الأخيرة تتضمن الخطاب الأخير لهؤلاء ، وتبين لهم - بوضوح - الأصل العقلي المعروف بدفع الضرر المحتمل ، حيث تخاطب النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) فتقول : قل أرأيتم إن كان من عند الله ثم كفرتم به من أضل ممن هو في شقاق بعيد ( 2 ) .

--> 1 - نهج البلاغة ، الخطبة رقم 64 . 2 - " أرأيتم " تأتي عادة بمعنى " أخبروني " وتفسر بنفس المعنى .